
العلاج بالتعرّض
ما هو العلاج بالتعرّض؟
يُعد العلاج بالتعرّض واحدًا من أشهر وأقوى الأساليب في العلاج المعرفي السلوكي. وقد تم تقديمه في خمسينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين أظهرت العديد من الدراسات العلمية أنه علاج فعّال جدًا للقلق والاضطرابات المرتبطة به. وأكثر الاضطرابات التي يعالجها شيوعًا هي اضطراب الوسواس القهري، ورهاب الساحات المفتوحة، واضطراب القلق الاجتماعي، واضطراب القلق المعمم، والرهاب المحدد. وما تشترك فيه هذه الاضطرابات جميعًا هو وجود قلق وخوف مرتبطين بمواقف أو أشياء معينة تثير القلق لديك. يساعدك العلاج بالتعرّض من خلال إدخالك تدريجيًا في تماس مع ما تخشاه، مما يسمح لك باختبار تلك المخاوف ومواجهتها عبر الخبرة المباشرة، وبالتالي التغلب عليها في النهاية.
لماذا أشعر بالخوف؟
إذا كنت قلقًا أو خائفًا، فهذا لا يحدث من فراغ، حتى لو بدا لك ذلك أحيانًا. لقد أظهرت علم النفس السلوكي أن الخوف والقلق غالبًا ما يتم تعلمهما من خلال الخبرة. ولتوضيح ذلك، لنأخذ مثال طفل، ولنفرض من باب الشرح أنه أنت.
في أحد الأيام، تكون خارج المنزل مع والدك وفجأة ترى كلابًا تنبح وتتجه نحوك. تنظر إلى والدك وتلاحظ أنه يبدو خائفًا جدًا. فيمسك بيدك ويطلب منك أن تركب السيارة. وبصفتك طفلًا، لا تفهم تمامًا ما يحدث. أنت فقط تتعلم أن نباح الكلاب مرتبط بموقف مقلق.
في تلك اللحظة، تتكوّن بسرعة لديك علاقة بين الكلاب، ونباحها، والخطر. لكن الأمر لا يتوقف هنا. بعد أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، فإن مجرد رؤية كلب ينبح أو سماعه، سواء كان صغيرًا مثل الشيواوا أو كبيرًا مثل البلدغ، قد يثير الخوف، حتى لو كان الكلب ودودًا ولا يشكل أي خطر حقيقي. ومن خلال هذه التجربة يصبح الخوف سلوكًا متعلّمًا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقد تبدأ أيضًا بربط الخوف بأماكن معينة. ونتيجة لذلك، قد تبدأ بتجنب الذهاب إلى الحديقة للنزهة مع الأصدقاء، أو تتجنب أي مكان قد يوجد فيه كلب.
كيف سيتم ذلك؟
أولًا، سيقدم لك المعالج تثقيفًا نفسيًا حول طبيعة القلق، موضحًا ما الذي يحدث فعلًا داخل جسمك على المستوى الجسدي. كما سيساعدك المعالج على فهم العلاقة بين ما تفعله وما تفكر فيه وبين قلقك؛ وكيف أن سلوكيات التجنب قد تبدو مفيدة على المدى القصير، لكنها للأسف تزيد المشكلة سوءًا على المدى الطويل (اقرأ المزيد عن التثقيف النفسي في هذا المقال).
ومن أوائل التمارين غالبًا المراقبة الذاتية، وذلك من خلال ملاحظة وتدوين مشاعرك وأفكارك وسلوكياتك. وفي نهاية مرحلة التقييم الأولي هذه، سيساعدك المعالج على إعداد قائمة بالمواقف التي تثير القلق، مرتبة من الأقل إزعاجًا إلى الأكثر إخافة. بعد ذلك، سيساعدك المعالج على تعريض نفسك تدريجيًا لتلك المواقف المختلفة. والنوع الأساسي من التعرض هو التعرض في الواقع (In vivo exposure): سيرافقك المعالج أثناء التعرض، في البداية مثلًا عبر مشاهدة مقاطع فيديو للكلاب، ثم تدريجيًا، وبعد العمل على التسلسل الهرمي للمخاوف، يتم التعرض لكلب حقيقي داخل مكتب المعالج. والهدف بعد ذلك هو أن تواصل التعرض بنفسك، أو بمساعدة شخص قريب منك، على شكل "واجب منزلي" (انظر مقالًا منفصلًا). والمنطق وراء هذه التقنية هو أن تختبر قلقك ومخاوفك بطريقة جديدة، من دون سلوكيات الأمان، ومن خلال الخبرة المباشرة.
في البداية، عندما تبدأ جلسات التعرض، قد يبدو لك الأمر غير منطقي: لماذا أواجه الشيء الذي أخاف منه أكثر شيء ويجعلني أشعر بقلق شديد؟ وقد تقول أيضًا: "لقد فعلت ذلك من قبل، لكنه لا يزيد الأمر إلا سوءًا." لكن الفرق الكبير بين التعرض كجزء من العلاج وبين ما قمت به سابقًا، هو أنه يتم بشكل تدريجي، ومن دون سلوكيات الأمان التي تُبقي المشكلة قائمة فعلًا. وسلوكيات الأمان هي كل تلك الأشياء التي تقوم بها لتشعر بالتحسن في الموقف المثير للقلق، مثل التنفس بطريقة معينة أو قول عبارات مطمئنة لنفسك (انظر مقالًا منفصلًا). ورغم أنها قد تبدو مفيدة في اللحظة نفسها، إلا أنها في الواقع تُبقي المشكلة مستمرة على المدى الطويل. والهدف من التعرض هو مساعدتك على اختبار شيء جديد: عندما تقبل القلق في تلك اللحظة ولا تحاول الهرب منه أو استخدام سلوكيات الأمان، فإن الخوف سيبدأ في الانخفاض من تلقاء نفسه إذا بقيت معه لفترة كافية. أي أنه بعد تكرار التعرض عدة مرات بهذه الطريقة العلاجية الجديدة، ستلاحظ أن شيئًا سيئًا لم يحدث، وستبدأ في التكيف مع الموقف المخيف وستعيش خبرة جديدة. وهذا سيُضعف مخاوفك، وستنخفض مستويات القلق. إن الاستمرار في التعرض سيكسر الحلقة التي تجعل الموقف المخيف يغذي قلقك، وستتحرر تدريجيًا من الشيء الذي كان يحدّ من حياتك.