التعرض
ملخص
يُعدّ التعرض، بلا شك، أشهر أساليب العلاج السلوكي المعرفي، وقد استُخدم بأشكال مختلفة منذ خمسينيات القرن الماضي. وربما يكون هذا الأسلوب العلاجي النفسي الأكثر ثباتًا من حيث الأدلة التجريبية التي تدعم فعاليته في مساعدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق. يمكن استخدام التعرض كجزء من العلاج السلوكي المعرفي الشامل، أو كعلاج نفسي مستقل (“العلاج بالتعرض”).
يتخذ هذا الأسلوب العلاجي الأساسي في العلاج السلوكي المعرفي ثلاثة أشكال رئيسية: التعرض الواقعي (انظر المقال المنفصل)، والتعرض التخيلي (انظر المقال المنفصل)، والتعرض الداخلي (انظر المقال المنفصل). ويبقى المبدأ الأساسي المشترك واحدًا: مساعدة المريض على مواجهة مخاوفه لفترة كافية، حتى يتمكن من تجربة شيء جديد (غير الخوف). ومن خلال التعرض التدريجي والمتكرر، يتعلم المريض التغلب على مخاوفه، والقيام بأمور في حياته لم يكن قادرًا على فعلها سابقًا بسبب قلقه (مثل الذهاب إلى متجر مزدحم، أو استخدام المواصلات العامة، أو التواصل مع أشخاص لا يعرفهم جيدًا).
خلفية
يستند العلاج بالتعرض إلى أبحاث سلوكية أساسية حول التكييف الكلاسيكي والفعلي؛ أي العلم التجريبي الذي يدرس كيفية كون الخوف مكتسبا (التكييف الكلاسيكي لبافلوف) و مستمرا (التكييف الفعلي لسكينر). في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، طور جوزيف وولبي ما سماه "العلاج النفسي بالكبح المتبادل"، والذي يُعد أول شكل منظم لما يُعرف اليوم بالعلاج بالتعرض. وفي ستينيات القرن العشرين، طور فيكتور ماير العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة، والذي لا يزال حتى اليوم، مع بعض التعديلات، العلاج النفسي الأساسي القائم على الأدلة لاضطراب الوسواس القهري. وقد وصف العالم المسلم أبو زيد البلخي في القرن التاسع الميلادي المبدأ الأساسي لهذا العلاج، وهو تعريض المرئ لما يُخيفه بشكل متكرر حتى يقل خوفه تدريجيًا، كما قدم تصورًا مبكرًا لما يُعرف اليوم باضطراب الوسواس القهري (انظر المقال المنفصل عن اضطراب الوسواس القهري ).
المبادئ والتطبيق
على غرار التنشيط السلوكي (انظر المقال المنفصل )، يعتمد التعرض على مبادئ سلوكية، وبالتالي على تحليل وظيفي (انظر المقال المنفصل ) لكيفية تطور مشكلة القلق واستمرارها. تتمثل الطريقة الأساسية لاكتساب القلق والخوف في التكييف الكلاسيكي. أبسط الأمثلة على هذا النوع من اكتساب الخوف هي الرهاب المحدد: على سبيل المثال، الطفل الذي يختبر فجأة كلب الجيران وهو يركض نحوه وينبح. يشعر الطفل بالخوف، ثم، من خلال التعميم، قد يُصاب بالخوف من أنواع عديدة من الكلاب (التي كانت سابقًا مثيرات محايدة). قد يتعامل الطفل بعد ذلك مع هذا الخوف المعمم من الكلاب من خلال سلوك تجنب متزايد، والذي يمكن تفسيره بما يسمى بالتعزيز السلبي (التكييف الإجرائي؛ انظر المقال المنفصل عن التحليل الوظيفي). يمنع سلوك التجنب الشخص من خوض تجارب جديدة مع الكلاب لا ترتبط بالخوف. وبالتالي، يُبقي سلوك التجنب على الخوف.
كما هو واضح، يُبيّن هذا التحليل الوظيفي لكيفية اكتساب الخوف المرضي واستمراره كيفية التغلب عليه: فإذا كان تجنب ما يُخشى منه هو المشكلة، فإن التعرض له هو الحل.
يأتي العديد من المرضى، إن لم يكن جميعهم، إلى العلاج قائلين أنهم "جربوا التعرض من قبل"، وأنه "لا يُجدي نفعًا". من السهل فهم ما يقصدونه من وجهة نظرهم: فقد كانوا على اتصال بما يخشونه مرارًا وتكرارًا، ربما مئات أو حتى آلاف المرات على مر السنين، لكنهم ما زالوا يشعرون بالخوف نفسه. من المهم هنا مساعدة المريض على فهم أن التعرض، كتدخل علاجي محدد، يختلف في عدة جوانب جوهرية عما اعتاد المريض تجربته من خلال محاولة مواجهة مخاوفه بمفرده.
المبادئ الخمسة للتعرض
أي أن التعرض، كتدخل علاجي محدد، يتبع خمسة مبادئ، تميزه بوضوح عما قد يقول المريض أنه "جربه من قبل". لكي يكون العلاج بالتعرض فعالاً، ينبغي أن يكون:
مخططاً ومنظماً (من قبل المعالج، بالتعاون مع المريض).
تدريجياً (عن طريق تسلسل هرمي للتعرض، يقدمه المعالج بالتعاون مع المريض).
مطولاً (أي، أن يكون طويلاً بما يكفي لتمكين تجارب جديدة غير مخيفة).
متكرراً (أي، أن يُجرى عدداً كافياً من المرات، مما يُمكّن أيضاً من تجربة شيء جديد غير الخوف بمرور الوقت).
دون سلوكيات أمان (أي، دون أن يحاول المريض تشتيت انتباهه أو البحث عن أشكال أخرى من الأمان المؤقت أو الراحة المؤقتة أثناء التعرض) (انظر المقال المنفصل ).
مثال على العناصر المهمة للتعرض
فيما يلي مثال يوضح أهمية مبادئ التعرض الأساسية السابق ذكرها: مريضة مصابة برهاب الأماكن المفتوحة، تتجنب عادةً وسائل النقل العام، تُضطر أحياناً إلى ركوب الحافلة إلى العمل لأن زوجها يحتاج سيارة العائلة. في اليوم الذي تستقل فيه الحافلة، تكون الحافلة مكتظة بالركاب بشكل غير معتاد، فتنزل قبل محطتين من عملها لأنها "لم تعد تحتمل ذلك"، وخلال الرحلة تشتت انتباهها بالاستماع إلى الموسيقى في سماعات الرأس والتنفس بطريقة معينة (علمتها إياها ممرضة ذات مرة). قد تقول هذه المريضة، من وجهة نظرها، أنها "عرّضت نفسها" لركوب الحافلة، لكن هذه التجربة لن تفيدها في علاج رهاب الأماكن المفتوحة، لأنها لا تتوافق مع أي من مبادئ التعرض كتدخل علاجي كما ذُكر أعلاه:
لم تكن مُخططة أو مُنظمة كتدريب على التعرض (فقط في أحد الأيام، قال الزوج أنه بحاجة إلى السيارة).
لم تكن تدريجية (اتضح أن الحافلة ممتلئة تمامًا؛ فالتعرض التدريجي يبدأ بحافلة أقل ازدحامًا).
لم تكن طويلة (نزلت المريضة من الحافلة عندما بلغ قلقها ذروته - أي أنها لم تبقَ وقتًا كافيًا لتجربة شيء جديد).
لم تُكرر (من الأفضل تكرار نفس تدريب التعرض عدة مرات).
استخدمت سلوكيات الأمان (تشتيت انتباهها بالموسيقى والبحث عن الأمان من خلال التنفس بطريقة معينة في محاولة "لمنع تفاقم القلق").
في العلاج، بعد أن يُجري المعالج دراسة شاملة لحالة المريض (انظر المقال المنفصل) وتحليلًا وظيفيًا (انظرالمقال المنفصل) لمشاكله، وبعد تثقيفه نفسيًا (انظر المقال المنفصل) حول ماهية القلق وكيفية تأثيره على الجسم، وبعد شرح الأساس المنطقي للعلاج (انظرالمقال المنفصل )وكيفية عمل العلاج بالتعرض، وبعد الحصول على موافقة المريض ورغبته الصريحة في بدء هذا العلاج، يمكن البدء بالعلاج: علاج مُخطط له، تدريجي، طويل الأمد، ومتكرر، يُساعد المريض على مواجهة مخاوفه دون اللجوء إلى سلوكيات الأمان.
كيف يعمل العلاج بالتعرض؟
من خلال الأبحاث، نعلم الآن أن العلاج بالتعرض لا يعتمد أساسًا على تأقلم القلق (مع أن القلق عادةً ما يتأقلم، أي ينخفض تدريجيًا مع كل جلسة تعرض). بل يعتمد على ما يُسمى بالتعلم التثبيطي، والذي يعني باختصار أن التعرض يُجدي نفعًا لأن المريض يختبر شيئًا جديدًا، وليس بالضرورة لأنه يتخلص من القلق. وهذا يعني أن الأهم ليس مستوى القلق نفسه (وليس من الضروري أن ينخفض خلال جلسة التعرض). الأهم هو أن يتمكن المريض، في ظل وجود القلق، من القيام بما يرغب فيه بمرونة، دون أن يدع القلق يسيطر عليه.
أنواع مختلفة من التعرض
المثال أعلاه هو مثال على التعرض الواقعي (انظر المقال الكامل المنفصل حول التعرض الواقعي). هذا هو الشكل الأساسي للتعرض، وهو مفضل على التعرض التخيلي (الذي يُجرى غالبًا عندما يكون التعرض الواقعي غير ممكن عمليًا أو أخلاقيًا (انظر المقال المنفصل حول التعرض التخيلي).
إلى جانب التعرض الواقعي والتعرض التخيلي والتعرض الداخلي (انظر المقال المنفصل)، توجد طرق أخرى للتعرض (أقل استخدامًا سريريًا) مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز.